أرسطو
36
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس
وقد يقع المرء في الضلالة إذا هو ظنّ أنه الرجل الذي له قيمة تقضى عليه أن يحسب حسابا للموت أو للحياة ، بدل أن يقصر سعيه على البحث فيما إذا كان ما يعمل هو خيرا أم شرا ، وما إذا كان عمله عمل رجل صالح أم عمل رجل سوء . كل امرئ اختار مركزا ، لأنه رآه أشرف من سواه ، أو لأن رئيسه وضعه فيه ، يجب عليه أن يقيم فيه ثابتا ، ولا ينظر إلى الخطر ولا إلى الموت ، ولا إلى شئ آخر غير الشرف . كذلك كان سقراط ، لما جيء به ليحاكم أمام الشعب الآتينى على تهمة كبرى ، لم يتأخر البتة عن تنفيذ هذه المبادئ بالعمل . فلما كان يخدم وطنه في ميدان القتال ، احتفظ كما يحتفظ الجندي الباسل بجميع النقط التي وضعه فيها القوّاد في يونيدة وفي أنفييوليس وفي ديليوم . كذلك لم يكن ليتحوّل عن المركز الذي خصه اللّه به ، بل دأب على درس الفلسفة على رغم الخطر الهائل الذي كان يتهدّده ، حتى إنه لما مثل أمام القضاة ، لم يخطر بباله ليتقى الموت أن يتنازل إلى التخضع بسؤال العفو ، ولا إلى التمليقات العادية التي اعتاد الناس أن يستدرّوا بها شفقة القضاة . وما كان الكلام هو الذي يعوزه في هذا الصدد ، بل الذي كان ينقصه هو عدم الحياء من نفسه ، فلم ينزل عن عزته إلى سكب الدموع ، وما يستبيحه المتهمون المستهينون بكرامتهم من الدنايا ، كأن الخطر الذي هو فيه لم يكن في رأيه داعيا إلى إتيان ما هو غير خليق برجل حرّ . فالشأن أمام المحاكم كالشأن في ساحة القتال ، لا يسمح للمرء أن يتذرّع بأيّ وسيلة من الوسائل المختلفة لحفظ حياته . فكما أنه في الحرب لا ينبغي البتة أن يلقى المحارب سلاحه ، ولا أن يطلب الأمان ، كذلك لا ينبغي البتة تلقاء غيرها من الأخطار أن يتسفل « 1 » إلى حدّ أن يقول كل شئ ، ويعمل كل شئ . كذلك مضى سقراط ، من غير أن يخسر من شرفه شيئا
--> ( 1 ) أفلاطون - تقريظ سقراط ص 90 و 91 و 114